حي جليز بمراكش: تاريخ ميلاد حي عصري في قلب المدينة الحمراء
حي جليز بمراكش: تاريخ ميلاد حي عصري في قلب المدينة الحمراء
#المحور24
في الخامس من يونيو عام 1913، تم إعطاء الانطلاقة الرسمية لأشغال البناء في حي جليز بمدينة مراكش، بعد تنظيم مزاد علني لبيع أول دفعة من الأراضي المعدة للسكن، حيث تم بيع 107 بقعة بثمن تراوح بين 0.50 و1 فرنك للمتر المربع، وهو ثمن اعتبر آنذاك غير في متناول الجميع. هذا الحدث شكّل بداية لتطور عمراني مميز في مراكش، ساهم في تغيير معالم المدينة وإعطائها طابعاً حضرياً جديداً.
تبِعَت هذه الدفعة الأولى دفعتان إضافيتان، شملت الثانية 77 بقعة والثالثة 90 بقعة، وتم إصدار قرار بلدي يُلزم المُلاك بإتمام أشغال البناء قبل فاتح أكتوبر 1918، مما يعكس الحرص على التنظيم وسرعة التعمير.

وما يميز هذا المشروع الحضري هو الاهتمام بالبيئة، حيث صدر قرار بمنع اقتلاع أشجار النخيل، وفي الحالات القصوى كان يُلزم من يقوم بذلك بغرس ثلاث نخلات جديدة في مكان آخر، مع العناية بها إلى أن تنمو.
حي جليز لم يكن مجرد مشروع سكني، بل صُمم ليكون نواةً حضرية متكاملة، فقد ضم سنة 1919 عدداً من المرافق الحيوية: فندقان، أربعة مطاعم، اثنا عشر مقهى، أربع مطابع، ستة جزارين، ثلاث مخابز، 2 دور سينما ، بالإضافة إلى محلات وحرفيين ومهنيين، ما جعله حياً نابضاً بالحياة والأنشطة المتنوعة.

في تلك السنة، بلغ عدد سكان الحي 817 شخصاً، أغلبهم فرنسيون (561 فرداً)، إلى جانب جنسيات أخرى كالإسبان، الإيطاليين، اليونانيين، البلجيكيين، السويسريين، والرومانيين، إضافة إلى مغاربة يهود ومسلمين. وبحلول عام 1930، ارتفع عدد السكان إلى حوالي 1500 شخص، قبل أن يتضاعف مرات عديدة نتيجة توافد أعداد كبيرة من المهاجرين، خاصة الفرنسيين والإسبان، حيث لا يزال أحد أزقة الحي يُعرف باسم “درب سبليون”.

يُعتبر حي جليز اليوم من أهم المراكز الحيوية في مراكش، حيث يضم العدد الأكبر من الأبناك، الإدارات، الفنادق، المتاجر، والعيادات. وهو يحمل اسمه من جبل جليز الملاصق له، والذي يُعرف بالأمازيغية بـ”أكلز”، أي الصخرة، وكان مصدراً أساسياً للحجارة المستخدمة في البناء.

الفضل في تصميم هذا الحي يعود إلى القبطان “لاندي” (Landais)، مهندس ورئيس مصلحة الأشغال البلدية بمراكش، الذي رسم ملامح حي عصري بشوارع فسيحة يتجاوز عرض بعضها 60 متراً، وساحات وحدائق شاسعة لا تزال تُعد من الأوسع في المدينة.

حي جليز هو شهادة حيّة على بداية تحول مراكش من مدينة تقليدية بأسوارها العريقة إلى مدينة تتنفس الحداثة، وهو اليوم رمز من رموز مراكش الحديثة، ومرآة لتاريخ عمراني صنعه التخطيط الدقيق والاهتمام بالتفاصيل.