بنكيران بين الواقع والانطباع: قراءة عقلانية في تجربة سياسية فريدة
#المحور24
في خضم الجدل المحتدم حول عبد الإله بنكيران، تتوالى الآراء والانفعالات، بين من يراه رمزًا للنزاهة والصدق السياسي، ومن لا يرى فيه إلا مثيرًا للجدل ومستفزًا للمشاعر. لكن بعيدًا عن منطق العواطف والميول الشخصية، وبقليل من التأمل، يمكن فتح نافذة أكثر اتزانًا لفهم هذه الشخصية السياسية التي أثارت الكثير من الكلام… والقليل من التحليل الرصين.
الخطأ الذي يقع فيه كثيرون عند تقييم بنكيران، هو اختزال مسيرته السياسية في خرجاته الإعلامية أو تصريحاته التي تكون خارج السياق أحيانًا. والواقع أن بنكيران رجل خبر السياسة لعقود، وتحمل مسؤولية رئاسة الحكومة في ظرفية دقيقة، وكان فاعلًا سياسيًا حاضرًا منذ قرابة نصف قرن.
من هذا المنطلق، لا يجوز مقارنته بنخبة سطحية تدور في فلك الامتيازات. بل تُقارن تجربته بما قدمه رجال السياسة الحقيقيون منذ الاستقلال، ومن يقرأ مذكرات هؤلاء، ويفهم خبايا الحياة الحزبية المغربية، سيدرك أن بنكيران – رغم ما يُؤخذ عليه – يظل من أكثر السياسيين المغاربة وضوحًا ومن أنظفهم.
نعم، لبنكيران هفوات ، وهي مكشوفة ومعروفة للجميع، لكنه لم يُتهم يومًا بسرقة المال العام، ولا ثبت عليه استغلال النفوذ لمراكمة الثروة أو النفوذ. وهنا يكمن الفرق الجوهري بينه وبين عدد من الزعماء الذين لا تُكشف ملفاتهم إلا حين تداهمهم المتابعات القضائية أو تسريبات الأرشيف، وغالبًا ما يكون مصيرهم وراء القضبان أو في عزلة لا شرف فيها.
ما يُحسب لبنكيران أيضًا، أنه لا يخفي مواقفه، ولا يُتقن التمويه السياسي كما يفعل آخرون. صراحته – التي يعتبرها البعض تهورًا – هي جزء من بنيته السياسية والفكرية، وتمنحه مصداقية خاصة، حتى في أوساط خصومه.
ولعل المفارقة أن الهجوم المستمر عليه من طرف منتقديه يخدمه، ليس انتخابيًا أو سياسيًا بالضرورة، ولكن من حيث القيمة الأخلاقية. فأن يُهاجم بنكيران بسبب مواقف معلنة ومعروفة، أفضل بكثير من أن يُمتدح سياسيون لا يُعرف عنهم سوى الواجهة المصقولة بينما تُخفى عنهم الكوارث الحقيقية.
السياسة في المغرب – كما في غيره – ليست ميدانًا للمثالية، بل هي فن إدارة الممكن، وتحقيق التوازن بين المصلحة والواقع. وحتى من نعتبرهم رموزًا في النزاهة السياسية – كعبد الرحمن اليوسفي مثلًا – اضطروا في بعض اللحظات إلى اتخاذ قرارات صعبة، بل مؤلمة، كمنع ثلاث صحف دفعة واحدة، رغم خلفيته الحقوقية الرفيعة.
الزعماء لا يُقاسون بمثاليتهم، بل بقدرتهم على الصمود وسط عواصف التناقضات، ومدى محافظتهم على الحد الأدنى من النزاهة في مسارات تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم. وفي هذا المعيار، يصعب تجاهل بنكيران كحالة استثنائية.
دعوة إلى تقييم موضوعي لتجربة سياسية فريدة، بعيدة عن منطق الهوس أو العداء الشخصي، فحين يُترك الانطباع جانبًا وتُستحضر التجارب بالمقارنة، قد يبدو “بنكيران الذي نكرهه” أحد أفضل ما أفرزته الحياة السياسية المغربية.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.