لماذا تحترم بكين الرباط ؟ كيف صنعت “شاحنات بنجلون” الروابط الاستراتيجية بين المغرب والصين؟

0

#المحور24
​في وقت كانت فيه القوى العالمية تتلمس طريقها نحو صين “ماو تسي تونغ”، اختار المغرب مساراً سبّاقاً لم ينحصر في الدبلوماسية التقليدية، بل صاغته خطوط الإنتاج وعرق المصانع.
​تعود جذور هذه الملحمة الاستثمارية إلى يناير 1971، حين حلّ رجل الأعمال المغربي عثمان بنجلون ببكين في زيارة امتدت 29 يوماً بدعوة رسمية من الحكومة الصينية. أثمرت الزيارة اتفاقاً تاريخياً لتزويد الصين الشعبية بشاحنات “فولفو” الثقيلة، التي أُنتجت في مصنع “سعيدة” (Saïda Star Auto) بمنطقة سيدي البرنوصي بالدار البيضاء—وهو أوّل مصنع لعلامة “فولفو” يُقام خارج السويد منذ تأسيسه عام 1956.
​وفي مرحلة كانت فيها بكين تواجه عجزاً حاداً في الآليات الثقيلة للنهوض ببنيتها التحتية وبناء السدود، تحوّلت المقاولة المغربية إلى شريان لوجستي حيوي زوّد السوق الصينية بما بين 500 و1000 شاحنة سنوياً حتى عام 1983. هذا التقارب الصناعي استند إلى موقف سياسي مبكر، حيث كان المغرب ضمن الدول العشر الأولى التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية. وهي محطة لخصها بنجلون في تصريحه لمجلة Le Temps عام 2010 بقوله: “الصين لا تنسى أبداً أولئك الذين دعموها، ولهذا يمتلك المغرب مكانة وسمعة خاصة هناك”.
​ماهي خفايا “دبلوماسية الشاحنات” وأبعادها المعاصرة
​تتجاوز هذه الواقعة حدود الصفقات التجارية لتكشف عن عمق المرتكزات التي تُبنى عليها العلاقات بين الرباط وبكين اليوم:
– ​عقيدة “ذاكرة التنين”: تقوم الدبلوماسية الصينية على مبدأ أخلاقي وسياسي صارم ينص على الوفاء للدول التي مدّت لها يد العون أثناء فترة عزلتها الدولية أو ضائقتها الاقتصادية. شاحنات “سعيدة” لم تكن مجرد آليات، بل كانت شواهد على دعم مغربي مبكر لبناء الدولة الصينية الحديثة.
– ​السبق الصناعي للمملكة: تعكس القصة أن المغرب لم يكن مجرد سوق مستهلك، بل ملك قاعدة صناعية متطورة منذ منتصف القرن الماضي، قادرة على تصنيع وتصدير التكنولوجيا الثقيلة نحو أسواق عالمية معقدة.
– ​امتداد الأثر في الحاضر: هذا الإرث التراكمي من الثقة هو الذي يفسر التدفق الاستثماري الصيني الضخم نحو المغرب حالياً؛ من مشروع مدينة “مدينة محمد السادس طنجة تيك”، إلى تدشين عملاق المصانع الصينية لبطاريات السيارات الكهربائية، وصولاً إلى التنسيق السياسي الاستراتيجي بين البلدين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.