أزمة كراء الطلبة الجامعيين بالمدن المغربي

0

#المحور24
حين تتوج فرحة النجاح باجتياز عتبات مؤسسات العاصمة ذات الاستقطاب المحدود، تصطدم أحلام آلاف الطلبة وأسرهم بجدار اسمنتي صلب عنوانه الأبرز أزمة السكن والكراء. فمع إشراقة كل موسم دراسي جديد، يتحول الانتقال إلى الرباط لمتابعة الدراسة الجامعية إلى امتحان عسير في القدرة على الصمود المادي، في ظل سوق عقارية تشهد التهابا غير مسبوق يكاد يفرغ التميز الدراسي من طعمه.
​تتجسد هذه الأزمة بوضوح في الأرقام التي يرويها المهنيون؛ إذ يشهد قطاع الكراء بالرباط والمناطق المجاورة لها ضغطا مهولا ناتجاً عن قاعدة العرض والطلب. وفي هذا السياق، يوضح المستشار العقاري خالد صادق أن أسعار الكراء قفزت بزيادة عامة تراوح بين 15 و30 في المائة. وكمثال على ذلك، كان مجموعات من الطلبة يتقاسمون كراء شقة خلال الموسمين الماضيين بمبلغ لا يتجاوز 3500 درهم في أحياء مثل “المحيط” أو “القامرة”، ليصبح سعر “الاستوديو الصغير” اليوم محصوراً بين 3500 و4000 درهم مع شح كبير في توافره. أما شقة عادية من غرفتين وصالون، فيبدأ حدها الأدنى من 5000 درهم، وقد تصل إلى 8000 درهم حسب الحي والجودة، بينما تنخفض الأسعار في مدينة سلا المجاورة بحوالي ألف درهم فقط لنفس المعايير.
​ولا قصر لهذه الأزمة على شح العقار فحسب، بل تمتد لتشمل عوامل اقتصادية أخرى يبرزها خبير اقتصادي ، الذي يشير إلى أن انتشار تطبيقات الكراء اليومي استحوذ على نسبة هامة من الشقق المعدة للكراء متوسط المدى، فضلاً عن كون العديد من الأسر المالكة تعتمد على مداخيل العقار كمصدر عيش، مما يدفعها نحو مجاراة موجة الغلاء. كما أن عمليات إعادة التهيئة الحضرية التي شهدتها بعض الأحياء التقليدية كحي “المحيط” دفعت بالطبقات المتوسطة والمثقفين والطلبة إلى النزوح القسري نحو الضواحي كتامسنا، وعين عودة، وسلا، وصولاً إلى بوزنيقة والمحمدية لمن يمتلكون وسائل نقل، ضاربين موعداً يومياً مع معاناة التنقل لمدة تتراوح بين 45 و60 دقيقة في الاتجاه الواحد، بينما تحول السكن المشترك “الكولوكاسيون” إلى طوق نجاة تقاسمته جيوب الطلبة لتقليل المصاريف.
​هذا التفاوت الطبقي والمكاني يفرز واقعاً متباينأً؛ ففئة قليلة من الطلبة المحظوظين تتمكن من الاستقرار في أحياء راقية كأكدال والرياض وحسان، بينما تجد الأغلبية الساحقة من ذوي الدخل المحدود ومستحقي المنح الجامعية نفسها مجبرة على ارتياد الأحياء الهامشية والشعبية بحثاً عن غرف تأوي مسيرتهم العلمية.
​وأمام هذا المأزق الذي يهدد بتحويل التعليم العالي في المدن الكبرى إلى حكر مادي، تتعدد المقترحات والحلول الرامية إلى تطويق الأزمة؛ حيث يرى خبراء اقتصاديون أن الحلول الآنية تكمن في الرفع من قيمة المنح الجامعية، وتخفيف العبء الضريبي عن كاهل آباء الطلبة، إضافة إلى توسيع شبكة الأحياء الجامعية العامة وتطوير نظيرتها الخاصة لحماية غير المستفيدين من جشع السوق. ومن جهته، يذهب المستشار العقاري خالد صادق إلى أبعاد هيكلية أعمق، مقترحاً اعتماد تسعيرة مرجعية وطنية للكراء تضبط إيقاع السوق وتراعي معايير البناية والموقع، مع فرض غرامات على المخالفين، وتفعيل صيغة “الكراء المالي بالتملك”، فضلاً عن مراجعة ضوابط البناء العمودي للسماح بعمارات ترتفع إلى “R+8” أو “R+10” بغية ضخ عرض عقاري كافٍ يخفض من حدة السومات الكرائية.
​تبقي هذه المعادلة المعقدة بين تكاليف السكن والتنقل والدراسة سيفاً مسلطاً على رقاب الأسر، ومؤشراً مقلقاً قد يثني عديداً من الشباب عن متابعة طموحاتهم الجامعية في العاصمة ما لم تُتخذ تدابير جذرية تعيد التوازن إلى سوق الكراء وتضمن للطلبة حقهم الأصيل في المأوى الكريم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.