بين مطرقة “الظرفية السياسية” وسندان الدخول المدرسي.. أزمة غياب المقررات تُربك الأسر وتضع تكافؤ الفرص على المحك
#المحور24
مع إطلالة كل موسم دراسي جديد، يتجدد سيناريو الاستنفار داخل الأسرة المغربية؛ غير أن دخول هذا العام جاء محملاً بجرعة إضافية من القلق والارتباك. ففي الوقت الذي استبشرت فيه الأسر بعودة أبنائها إلى مقاعد الدراسة مع بداية شهر شتنبر، اصطدم أولياء الأمور برفوف خاوية في المكتبات، وغياب لافت لعدد من المقررات والكتب المدرسية المعتمدة، مما حول رحلة البحث عن “كتاب مدرسي” إلى ما يشبه المطاردة اليومية بين أزقة المدن وأحياء الشرق والغرب.
لا تقتصر معرقلا الدخول المدرسي هذا العام على غلاء المستلزمات أو تدبير الميزانيات الأسرية فحسب، بل امتدت إلى عدم توفر الكتاب نفسه. ويتنقل الآباء بين أكثر من مكتبة للحصول على عنوان واحد أو كراسة معتمدة، ليصطدموا بعبارة تتردد على ألسنة الكتبيين: “لم تُطبع بعد” أو “في انتظار الشحنة المقبلة”.
هذا التعثر ألقى بظلاله المباشرة على التحصيل الدراسي للتلاميذ خلال الأسابيع الأولى؛ إذ يجد المدرسون أنفسهم أمام صفوف غير مكتملة العدة البيداغوجية، مما يربك السير العادي للدروس ويؤجل الانطلاقة الفعلية للبرنامج الدراسي.
إذا كانت أزمة الكتاب المدرسي تطرح نفسها كل عام بحدة متفاوتة، فإن إرجاع بعض الأطراف والمقربين سبب التعثر الحالي إلى “الظرفية الانتخابية” والأجندات السياسية يفتح الباب وقفة تحليليّة أعمق حول هيكلة القطاع:
انشغال الأجندة الإدارية بالاستحقاقات: إن تزامن التحضيرات للدخول المدرسي مع المحطات الانتخابية غالباً ما يؤدي إلى تشتت تركيز الإدارة العمومية وتأخر حسم بعض القرارات التنفيذية أو المصادقة على التغييرات الأخيرة في المناهج، مما ينعكس مباشرة على جدول طبع وتوزيع المقررات.
اختلال سلاسل التوريد والتوزيع: تظهر الأزمة بشكل جلي التفاوت الحاصل بين المراكز الكبرى والمناطق الهامشية أو النامية؛ حيث تُعطى الأولوية في التوزيع للمدن الكبرى على حساب المناطق النائية، مما يعمق عدم العدالة المجالية.
غياب الشفافية في اللوائح النهائية: يؤدي تأخر وزارة التربية الوطنية في إصدار اللوائح النهائية والواضحة للكتب المعتمدة إلى ارتباك الناشرين والكتبيين معاً، ويجبر الأسر أحياناً على اقتناء كتب قد تُستبدل لاحقاً، محملة إياها مصاريف إضافية لا تطاق.
إن التعامل مع الكتاب المدرسي كـ “سلعة يخضع طبعها وتوزيعها لمنطق السوق وقواعد العرض والطلب” يضرب في العمق مفهوم تكافؤ الفرص. فالحصول على المقرر الدراسي منذ اليوم الأول ليس ترفاً، بل هو جزء لا يتجزأ من الحق في التعليم الجيد والمنصف.
إن أي تأخير في إيصال الكتاب إلى تلميذ في منطقة نائية، في المقابل توفره لتلميذ آخر في المدينة، يكرس فجوة التعلم منذ بداية الموسم، ويؤثر سلباً على الحالة النفسية للمتعلمين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مواكبة زملائهم.
لتجاوز هذا المعطى التكراري وضمان انطلاقة سلسة للمواسم الدراسية المقبلة، أجمع فاعلون ومتخصصون على ضرورة تفعيل خارطة طريق تتضمن النقاط التالية:
الاستباقية والتخطيط المبكر: إبعاد الملف التربوي عن الأجندات والسياسات الاستثنائية، وحسم لوائح المقررات وطبعها قبل إنهاء الموسم الدراسي السابق (خلال شهري ماي ويونيو).
شراكة مؤسساتية ملزمة: مأسسة التنسيق بين وزارة التربية الوطنية، والناشرين، والموزعين، ونقابة الكتبيين، مع وضع دفتر تحملات يفرض تواريخ محددة للتوزيع تحت طائلة عقوبات زجرية.
تفعيل التتبع الميداني والرقابة: إحداث لجان مراقبة جهوية لتتبع خريطة توزيع الكتاب ضماناً للتوزيع العادل ومنعاً لظواهر الاحتكار أو المضاربة.
التحول الرقمي الموازي: توفير نسخ إلكترونية (PDF) مصادق عليها ومجانية للكتب على المنصات الرسمية للوزارة، كحل بديل ومؤقت يضمن عدم توقف الدراسة أثناء فترات خصاص المطبوعات الورقية.
تبقى مطالب الأسر اليوم بضرورة التدخل العاجل لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مطالب مشروعة ولا تقبل التأجيل؛ لتزويد المكتبات بالخصاص المسجل، وإنهاء حالة التخبط التي تدفع ثمنها الأسرة والتلميذ على حد سواء.