من التواصل الاجتماعي إلى قبة التشريع: تزكية صانع محتوى تضع العمل السياسي على المحك
#المحور24
في خطوة أثارت موجة عارمة من الجدل السياسي والصدمة بين رواد التواصل الاجتماعي، أعلن حزب الديمقراطيين الجدد عن تزكية صانع المحتوى كمرشح رسمي للانتخابات القادمة. لم تكن المفاجأة في قرار التزكية ذاته بقدر ما كانت في التحول الدراماتيكي لشخصية ارتكز حضورها الرقمي لسنوات على محتوى ينتمي لـ «صناعة الترفيه الاستهلاكي»، ليرتقي فجأة إلى منصة التمثيل النيابي المسؤولة عن صياغة القوانين وتقليص الأزمات المجتمعية.
طوال مسيرته على المنصات الرقمية، لم يعرف الجمهور عنه اهتماماً بقضايا التعليم، أو الصحة، أو بطالة الشباب، ولم يُسجل له التاريخ الرقمي مبادرة واحدة تحمل رؤية تنموية أو إصلاحية. كانت مساحته الأثيرية محصورة في المقالب المكررة، والتحديات العابثة، والجري المحموم خلف «اللايكات» والخوارزميات. ورغم أن هذا النمط من المحتوى قد يجد مكانه في عالم التسلية، فإن خطورته تتضاعف عندما تحوله المؤسسة الحزبية من مجرد «مؤثر رقمي» إلى مشروع «مشرّع للأمة»، وكأن رأسماله الوحيد هو التفاعل اليومي المحض.
تطرح هذه التزكية تساؤلاً جوهرياً حول بوصلة الأحزاب السياسية: هل عجزت القواعد الحزبية عن إنجاب كفاءات شبابية تمتلك الرؤية والبرنامج؟ أم أن الحزب اختار الطريق الأقصر، والمتمثل في تحويل الآلاف من المتابعين الافتراضيين إلى «آلة تصويت» مضمونة؟.
إن المراهنة على الشعبوية الرقمية لحصد المقاعد لا تعتبر مجرد براغماتية مفرطة، بل هي اختزال مهين للفعل الديمقراطي، وتحويل للعملية الانتخابية من منافسة بين برامج وتصورات إلى مجرد مزاد علني للانتشار والرواج.
الخطر الحقيقي لا يكمن في شخص المؤثر، فهو يمارس حقه في الترشح كما يمارس حقه في صناعة محتواه، بل يكمن في الرسالة القاسية التي يرسلها هذا القرار للشباب. رسالة مفادها أن سنوات التحصيل العلمي، والعمل الميداني الجاد، والالتزام الحزبي، أصبحت بلا قيمة أمام مقطع فيديو قصير يحقق انتشاراً واسعاً. إن ترسيخ معادلة «السطحية تساوي النجاح السياسي» يقتل الأمل في ممارسة سياسية ناضجة، ويعزز النظرة للاستحقاقات الانتخابية كملعب للاستعراض لا كمنصة للمسؤولية.
يمتلك الحزب حقه القانوني في الاختيار، لكن الناخب يمتلك الحق الأخلاقي والسياسي في المساءلة. هل يستحضر هؤلاء المرشحون عمق الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرهم؟ وهل يدركون الفرق الجوهري بين إعداد «قصة قصيرة» على الشاشة وبين مناقشة قانون يحدد مصير وطن؟ في النهاية، يبقى صندوق الاقتراع هو المحك الحقيقي؛ فهو الذي سيحدد ما إذا كانت المؤسسة التشريعية ستظل ساحة للعمل والتشريع الجاد، أم ستتحول إلى شاشة عرض جديدة لنجوم التواصل الاجتماعي.