عندما تنطق القاعات العلمية بالإنجليزية: مفارقة الباحث المغربي وأزمة الفرانكوفونية المترنحة

0

#المحور24
​شكلت العودة من ملتقى علمي دولي مؤخراً شرارة لنقاش حاد ودقيق حول الواقع اللغوي للبحث العلمي في المغرب؛ حيث نقل أحد الباحثين المغاربة تفاصيل موقف محرج شهده خلال مشاركته في مؤتمر عالمي. القاعة احتضنت علماء من مختلف بقاع الأرض، بما فيهم الوفد الفرنسي الذي آثر إلقاء مداخلاته باللغة الإنجليزية لاعتبارها لغة العلم الأولى عالمياً. وفي مقابل هذا التحول المتسارع، انفرد الدكتور المغربي بإلقاء عرض علمي بالفرنسية، ليتفاجأ الجميع بغياب مترجم يتقن هذه اللغة في محفل يعتمد الإنجليزية لغة تواصل موحدة.
​وعندما استفسر الباحث المغربي زملاءه الفرنسيين عن سبب تخليهم عن لغتهم الأم داخل القاعة، جاءهم الرد حاسماً: “الفرنسية لم تعد لغة العلم.” هذا الموقف لم يكن مجرد عارض عابر، بل صدمة أعادت إلى الواجهة حسرة العلماء المغاربة من استمرار التمسك بالفرانكوفونية في المنظومة التعليمية والأكاديمية الوطنية.

ماهو ​تحليل لأبعاد الواقع اللغوي والبحث العلمي الحالي؟
– ​عزلة أكاديمية وضياع للتنافسية: يعاني البحث العلمي المكتوب بالفرنسية من انخفاض حاد في نسب الاقتباس والمراجعة في المجلات المحكمة ذات التأثير العالي (Impact Factor)، والتي يعتمد معظمها الإنجليزية كمعيار أساسي للنشر والتداول.
– ​تصدع الفرانكوفونية في معقلها: تحول المراجع والجامعات الفرنسية نفسها نحو إعطاء الأولوية للغة الإنجليزية في التخصصات الدقيقة ودراسات الدكتوراه يكشف عدم منطقية الإبقاء على الفرانكوفونية خياراً حصرياً في المغرب.
– ​كلفة تأخير الانتقال اللغوي: إن إرجاء التحول الشامل نحو الإنجليزية يحرم الكفاءات المغربية الشابة من الفرص البحثية، والتأطير الدولي، والمنح العالمية، ما يفرض عزلة غير مبررة على طاقات واعدة.
فماهي ​متطلبات الإصلاح والتغيير؟
– ​التعجيل بالتحول اللغوي: اعتماد الإنجليزية لغة رئيسية لتدريس العلوم والتكنولوجيا والطب في الجامعات المغربية بدلاً من الاقتصار على المبادرات المحدودة.
– ​تأهيل الكوادر وتحديث المناهج: إطلاق برامج مكثفة لتأهيل الأساتذة والباحثين، وتوفير المراجع والمجلات العلمية باللغة الإنجليزية في المؤسسات الأكاديمية.
– ​الانفتاح الشامل: الاستفادة من الشراكات الأكاديمية الدولية لربط الباحث المغربي مباشرة بالشبكات العلمية العالمية بدون وسيط لغوي تقليدي.
​إن تجربة هذا الباحث تختصر واقعاً لم يعد يحتمل المداراة؛ فاللغة في محافل العلم ليست مجرد أداة هوية بل هي شريان تواصل ونقل للمعرفة. وحين تتراجع لغة ما عن مواكبة هذا الشريان في وطنها الأصلي، يصبح التمسك بها مجرد عبء يكرس العزلة ويعطل طاقات الأجيال القادمة. 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.