رؤية استباقية : كيف تحول أسطول “كانادير” المغربي من محل جدل إلى صمام أمان بيئي؟
#المحور24
في وقتٍ تتصاعد فيه حدة التغيرات المناخية عبر العالم، وتتحول الغابات خلال مواسم الصيف إلى “قنابل موقوتة”، لم تكن المعركة ضد ألسنة النيران مجرد استجابة عابرة لموجات الجفاف، بل اختباراً حقيقياً لمدى نجاعة التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى.
حين اتخذ المغرب قراره الاستراتيجي بضخ استثمارات ضخمة لبناء أسطول جوي حديث متخصص في إطفاء الحرائق، تعالت بعض الأصوات المشككة؛ حيث اعتبر البعض آنذاك أن هذه الخطوة تشكل عبئاً مالياً مكلفاً كان يمكن توجيهه لقطاعات أخرى.
غير أن المتغيرات المناخية، المتمثلة في الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وتوالي سنوات الجفاف، أثبتت سريعاً أن قراءة المملكة للمخاطر المستقبلية كانت أكثر عمقاً وواقعية، ليتحول هذا الاستثمار من مجرد إجراء وقائي إلى ضرورة أمنية وبيئية لا غنى عنها.
شهدت المنظومة الجوية لمكافحة الحرائق بالمغرب تطوراً متسارعاً يعكس الجاهزية العالية للبلاد؛ ففي بداية سنة 2023 كان المغرب يتوفر على 5 طائرات من طراز “كانادير”، ليرتفع العدد مع نهاية السنة نفسها إلى 6 طائرات. ومع حلول سنة 2024، عززت المملكة أسطولها باقتناء طائرتين إضافيتين ليصل الإجمالي إلى 8 طائرات متطورة.
قيمة القوة الجوية: تكمن الأهمية الاستثنائية لطائرات “كانادير” في قدرتها الميدانية العالية على إنجاز طلعات مكثفة ومتتالية في ظرف زمني قصير، مع حمولة تتسع لآلاف اللترات من المياه للشحنة الواحدة، مما يتيح الوصول السريع إلى التضاريس الوعرة والمناطق الغابوية المعزولة التي تعجز الفرق الأرضية عن الوصول إليها.
لم تقف الرؤية المغربية عند حدود الأجواء، بل اعتمدت نهجاً شمولياً يتجاوز اقتناء الطائرات نحو بناء منظومة إدارة أزمات متكاملة:
– التكامل الميداني: دعم وتحديث وسائل التدخل الأرضي وتزويد الفرق بالآليات اللازمة لمواجهة النيران مباشرة.
– التكنولوجيا والإنذار المبكر: تطوير أنظمة رصد ومراقبة رقمية مبكرة لتتبع المخاطر والتنبؤ بها قبل تفاقمها.
– إدارة الكوارث: الانتقال من سياسة “رد الفعل” إلى استراتيجية “الجاهزية الدائمة والحد من مخاطر الكوارث الطبيعية”.
يكشف هذا المسار عن تحول فلسفي في إدارة الأزمات المناخية بالمغرب؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية أن كلفة الوقاية والاستثمار الاستباقي تقل بكثير عن الخسائر الناجمة عن التردد في مواجهة الكوارث.
إن تحويل الانتقادات السابقة إلى نموذج إقليمي يُحتذى به في الاستجابة السريعة لحرائق الغابات يجسد الرؤية الوطنية السيادية القائمة على حماية المقدرات الطبيعية والأرواح، تحت شعار المملكة الثابت:
“الله، الوطن، الملك”.