المغرب – هولندا : من “دبلوماسية الأزمات” إلى “شراكة الوضوح”
#المحور24
في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، اختار وزير الخارجية الهولندي الجديد، ريتوم بيريندسن، العاصمة المغربية الرباط لتكون وجهته الأولى خارج القارة الأوروبية منذ اعتلائه منصبه. هذا الاختيار لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل جاء ليتوّج مرحلة من التحول الجذري في مسار العلاقات بين المملكتين، وهو ما أكد عليه ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.
لم يكتفِ بوريطة بالتذكير بعراقة الروابط التي تمتد لأكثر من 400 عام، بل شدد على أن هذه العلاقات نجحت في عبور “عنق الزجاجة”. فبعد سنوات اتسمت بالشد والجذب والضغوط الدبلوماسية، ولدت من رحم الأزمات “دينامية جديدة” أعادت ترتيب البيت الداخلي للعلاقات الثنائية، ونقلتها من التوتر إلى التعاون الاستراتيجي المثمر.
أرجع رئيس الدبلوماسية المغربية متانة هذه الشراكة إلى ركيزتين أساسيتين:
- الروابط العلوية-الأورانجية: القوة الضاربة لهذه العلاقة تستمد روحها من التقدير المتبادل والروابط الوثيقة التي تجمع بين جلالة الملك محمد السادس والعاهل الهولندي الملك فيليم ألكسندر. هذه المظلة الملكية وفرت الحماية والزخم اللازمين لتجاوز العقبات التقنية والسياسية.
- مبدأ “الوضوح والطموح”: غادرت الرباط ولاهاي منطقة الرمادية؛ حيث باتت العلاقة اليوم قائمة على الشفافية والمسؤولية. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد تبادل تجاري، بل بشراكة “ندية” تحترم أولويات كل طرف وتتعامل مع القضايا الحساسة بوضوح تام.
يمكن قراءة تصريحات بوريطة والسياق الذي جاءت فيه من خلال الزوايا التحليلية التالية:
1. الرسالة من “الزيارة الأولى”
اختيار بيريندسن للرباط كأول محطة خارج أوروبا يعكس اعترافاً هولندياً متزايداً بالثقل الجيوسياسي للمغرب كبوابة لإفريقيا وشريك أمني واقتصادي لا غنى عنه. هولندا، التي كانت في السابق تتبنى مواقف متحفظة في بعض الملفات، باتت تدرك أن مصالحها الحيوية تمر عبر التفاهم مع الرباط.
2. طي صفحة “الأستاذية”
حديث بوريطة عن “الوضوح” و”الاحترام المتبادل” يلمح إلى نجاح المغرب في فرض نمط جديد من التعامل مع العواصم الأوروبية، يقوم على رفض “دروس الأستاذية” السياسية. المغرب يضع ملف وحدته الترابية ومصالحه السيادية كمعيار أساسي لدفء العلاقات، ويبدو أن لاهاي استوعبت هذا الدرس جيداً.
3. التحول من الأزمة إلى المأسسة
الانتقال من “فترة الضغوط” إلى “المرحلة الإيجابية” يعني أن البلدين نجحا في بناء آليات مؤسساتية لحل الخلافات قبل تفاقمها. الشراكة اليوم لم تعد رهينة أحداث عابرة، بل مبنية على قواعد صلبة تأخذ في الاعتبار توازنات القوى الجديدة في حوض المتوسط.
4. العامل الإنساني كجسر لا كعائق
رغم أن التصريح لم يشر مباشرة للجالية، إلا أن “المسؤولية والشفافية” تشمل تدبير ملفات الهجرة والتعاون الأمني، وهي الملفات التي كانت سبباً في أزمات سابقة، وتحولت اليوم بفضل الحوار الصريح إلى نقاط قوة لتعزيز الاستقرار المشترك.
إن العلاقات المغربية الهولندية تعيش اليوم “ربيعاً دبلوماسياً” مؤسساً على إرث تاريخي ومحصناً بواقعية سياسية تجعل من الطموح سقفاً لا يحده سوى الاحترام المتبادل.