ترامب يلمح للإنسحاب من الناتو..
#المحور24
بين “أمريكا أولاً” وقلق القارة العجوز: هل يفكك ترامب شيفرة الأطلسي؟
لم تعد تصريحات دونالد ترامب بشأن الانسحاب المحتمل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) مجرد “زوبعة في فنجان” انتخابي، بل هي انعكاس لزلزال استراتيجي يضرب جذور العقيدة السياسية الأمريكية. فخلف نبرة التهديد، تكمن رؤية “أمريكا أولاً” التي ترى في التحالفات التاريخية عبئاً مالياً ثقيلاً، وتعتبر المظلة الأمنية واشنطن “خدمة مجانية” لم تلتزم أوروبا بدفع ثمنها العادل.
لا يطرح ترامب فكرة الانسحاب كخيار عبثي، بل يلوح بها كـ “شرط ” لإعادة تشكيل شروط الالتزام الأمريكي. في توقيت دولي بالغ الحساسية، تبرز هذه الورقة كأداة ضغط قاسية لإجبار الحلفاء على تحمل أعباء الدفاع الجماعي، وسط مشهد مشتعل بالمواجهة مع روسيا في أوكرانيا، وظلال التنين الصيني التي تمتد لتنافس الهيمنة الأمريكية عالمياً.
هذا التوجه لم يمر بسلام في العواصم الأوروبية، بل أحدث حالة من “الذعر الاستراتيجي”. فالمظلة التي احتمت بها أوروبا لعقود باتت مهددة بالانحسار، مما دفع القارة العجوز نحو سباق مع الزمن لتعزيز “الاستقلال الدفاعي”. إنها محاولة قلقة لتقليص الارتهان لواشنطن، في لحظة يدرك فيها الجميع أن الاعتماد المطلق على “العم سام” لم يعد رهاناً مضموناً.
في مقابل خلخلة الناتو، يبرز مشروع ترامب المثير تحت مسمى “مجلس السلام”. وهو مسعى يهدف إلى إدارة العالم عبر صفقات مباشرة خارج الأطر التقليدية. إلا أن هذا المولود الجديد قوبل ببرود أوروبي واضح؛ فالعواصم الكبرى ترى فيه هيكلاً يفتقر للضمانات المؤسساتية والقواعد الدولية الراسخة، مما يعمق الفجوة بين ضفتي الأطلسي في كيفية إدارة الأزمات الكبرى.
إن المضي قدماً في إضعاف الناتو لصالح أطر موازية قد لا ينهي القيادة الأمريكية فحسب، بل يفتح الأبواب على مصراعيها لقوى منافسة، وعلى رأسها الصين، لملء الفراغ وتعزيز نفوذها.
نحن بصدد سيناريو قد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للعالم، نحو نظام “متعدد الأقطاب” أكثر سيولة، ولكنه بالتأكيد أكثر هشاشة واضطراباً من أي وقت مضى.