خطاب جلالة الملك… بين صوت العقل و اللاعقل لعسكر الجزائر، وترامب يدخل على الخط مجدداً
#المحور24
في خطوة تعكس الرؤية الاستراتيجية الهادئة والرصينة للمملكة المغربية، وجّه جلالة الملك محمد السادس خطاباً سامياً حمل في طياته دعوة صريحة للحوار ونبذ الخلافات مع الجارة الجزائر، متمسكاً بثوابت المملكة وسيادتها على أقاليمها الجنوبية. خطاب استقبلته بعض الأبواق الإعلامية الجزائرية بتأويلات مشوشة، اعتبرته “تنازلاً” و”خوفاً” من تحولات محتملة في الموقف الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، غير أن الحقيقة، كما تكشفها المعطيات، مغايرة تماماً لذلك.
الخطاب الملكي جاء ،حسب مصادر صحفية، بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية الرفيعة التي سبقت عيد العرش، من أبرزها اللقاء الثلاثي في باريس يوم 29 يوليوز، والذي جمع مسؤولين مغاربة وأمريكيين وفرنسيين، في إطار نقاش معمّق لوضع خارطة طريق واضحة لإنهاء نزاع الصحراء بشكل نهائي لا رجعة فيه، وفق رؤية تضمن سيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية.
وبينما كانت الترقبات تتجه نحو زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الرباط، تحوّلت الأنظار إلى باريس، حيث عُقد اللقاء المفصلي الذي شكّل نقطة تحول في المقاربة الدولية لهذا الملف.
ولم تمضِ سوى أيام قليلة، حتى جاءت رسالة جديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس، ليؤكد مجدداً موقف الولايات المتحدة الثابت منذ ديسمبر 2020، والمتمثل في الاعتراف بمغربية الصحراء، مشدداً على أن هذا الاعتراف نهائي وغير قابل للتراجع، كما أكد دعم واشنطن لأي حل يتم في إطار السيادة المغربية، وهو ما يعزز مواقف المغرب إقليمياً ودولياً، ويضع خصوم وحدته الترابية في زاوية ضيقة.
جلالة الملك، من جهته، وفي إطار الحسّ التاريخي والسياسي العميق الذي يميز خطاباته، دعا إلى طي صفحة الخلاف مع الجزائر، مشدداً على ضرورة تجاوز حالة الجمود والتوتر غير المبرر، وفتح صفحة جديدة من التعاون والتكامل بين الشعبين الشقيقين. دعوة حملت في طيّاتها ما يمكن وصفه بـ”الفرصة الأخيرة” لحكام الجزائر للعودة إلى جادة العقل والواقعية، وتجنب استمرار نزيف الزمن والفرص الذي تفرضه حرب استنزاف غير مجدية للطرفين.
لكن، وكما جرت العادة، قابل النظام العسكري الجزائري هذه الدعوة بسلوك متوجّس، يعكس ذهنية قديمة لا تزال ترى في المغرب خصماً وليس شريكاً في الاستقرار الإقليمي. إذ يُصرّ العسكر على توجيه دفة الإعلام نحو تأويلات تبتعد عن الحقيقة، وتخدم فقط أجندة داخلية تقوم على العداء الممنهج تجاه الجار المغربي.
بين صوت العقل الذي عبّر عنه الملك محمد السادس، والدعم الدولي المتنامي لمغربية الصحراء، خاصة من طرف القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، يتأكد يوماً بعد آخر أن الرباط تسير بخطى ثابتة نحو حسم هذا الملف، سياسياً ودبلوماسياً، في حين يبقى النظام العسكري الجزائري سجين تصورات عقيمة، لا تخدم إلا عزلته المتزايدة على الساحة الدولية.