الصراع الإسرائيلي – الإيراني… رسائل ودروس للمنطقة

0

#المحور24

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران حيز التنفيذ واستقراره النسبي، يلوح في الأفق أمل بمرحلة من التهدئة في منطقة اعتادت الأزمات. ومع ذلك، لا تزال الكثير من الدول الإقليمية مترددة في كيفية التعامل مع طهران بعد أسابيع من التوتر العسكري غير المسبوق. فما الذي كشفه هذا الصراع من دروس سياسية ودبلوماسية للجوار؟

يبدو أن الجولة الأخيرة من التصعيد تجاوزت مرحلة الخطر المباشر بعد اتفاق الهدنة بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن التصريحات والبيانات الرسمية لدول عدة أوضحت حجم التناقض في مواقفها. فالأردن، مثلا، دانت علنا الهجمات الإسرائيلية على إيران منذ 13 يونيو 2025، لكنها سمحت عملياً بمرور صواريخ إيرانية عبر مجالها الجوي بدعوى الدفاع عن النفس. السعودية بدورها وقعت البيان المشترك الذي أدان التصعيد، لكنها فضّلت التزام الصمت حيال الصواريخ، وهو ما فسّره خبراء باعتباره محاولة للتوازن بين علاقاتها مع واشنطن وتوجسها من طهران.

مثل هذه المفارقات تعكس تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية. فالأردن، رغم اتفاقية السلام مع إسرائيل، يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الأمريكية السنوية التي تجاوزت 1.4 مليار دولار، ليصبح ثاني أكبر مستفيد منها بعد إسرائيل. أما السعودية، فهي تحتفظ بقنوات تواصل مع تل أبيب في ملفات استراتيجية حساسة، دون أن تغفل عن ضرورة إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع إيران.

في نظر باحثين مثل سيمون فولفغانغ فوكس، فإن هذا التناقض سيظل طابعاً رئيسياً للسياسات الخليجية. إذ تدرك دول المنطقة تراجع قدرة إيران على تحريك حلفائها التقليديين – من حزب الله إلى حماس – بالتوازي مع الانحسار الكبير للدور السوري. غير أن هذا الضعف النسبي لا يعني وجود رغبة في إسقاط النظام الإيراني. بل على العكس، تخشى العواصم المجاورة أن يؤدي انهيار مفاجئ إلى فراغ وفوضى.

ماركوس شنايدر، مدير مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت في بيروت، لخص هذه المخاوف بتساؤل جوهري: من يمكنه خلافة الجمهورية الإسلامية؟ في الداخل لا توجد معارضة منظمة أو موحدة، بينما تثير القوى في المنفى – كـ”مجاهدي خلق” والملكيين – شكوكا واسعة بشأن شرعيتها وقدرتها.

الموقف المصري بدوره اتسم بحذر بالغ. فقد رحبت القاهرة باتفاق وقف إطلاق النار وأكدت التزامها بخفض التوترات، لكنها تجنبت الانخراط في أي خطوات قد تزعج واشنطن أو إسرائيل. انعكس ذلك في رفض استقبال لاجئين فلسطينيين من غزة، وفي التعامل الصارم مع محاولات النشطاء الدوليين التضامن مع القطاع. ويرى فوكس أن مصر، بحكم اعتمادها على المساعدات العسكرية الأمريكية التي بلغت 1.3 مليار دولار العام الماضي، لا تملك رفاهية الدخول في مجازفات إقليمية قد تهدد علاقتها مع واشنطن.

إلى جانب ذلك، تحرص القاهرة على التنسيق الأمني الوثيق مع الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب على حدود ليبيا وغزة، ما يعزز نهجها البراغماتي رغم الانتقادات الواسعة لسجلها الحقوقي الداخلي.

وسط هذه اللوحة المعقدة، باتت دول المنطقة أكثر إدراكاً لخطورة انهيار التوازن السياسي. إيران الضعيفة يمكن احتواؤها وضبط سلوكها إلى حد ما. لكن إيران المحاصرة واليائسة قد تتحول إلى عامل فوضى لا يمكن توقعه. لهذا، فإن كثيراً من العواصم تسعى إلى إبقاء خطوط التواصل قائمة، وإن كان ذلك بحذر شديد.

في المقابل، تبدو سياسة الإدارة الأمريكية الحالية مصدر قلق إضافي. إذ يعتبر فوكس أن نهج الرئيس ترامب – المتمثل في القرارات المفاجئة والتصريحات المتقلبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي – ساهم في إذكاء حالة عدم اليقين. ومع توجه أولويات واشنطن نحو شرق آسيا وتقليص انخراطها في أزمات الشرق الأوسط، قد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى ابتكار صيغ جديدة لضبط العلاقات ومنع الانزلاق نحو نزاعات أوسع.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.