بين الغربة و العودة للوطن ، المغرب يصنع جسر بين الماضي و الحاضر
#المحور24
خمسون عاماً ليست مجرد رقمٍ عابر في تقويم الغياب، بل هي عمرٌ كامل رُصّف بأشواق حالمة وخطى معلقة بين وادٍ وآخر. هكذا كانت رحلة الأديب والشاعر السوري علي الأحمد، الذي غادر أرض الشام شاباً يحمل في حقيبته أحلاماً غَضّة، ليجد نفسه يخوض تجربة المنفى الاختياري التي امتدت زهاء نصف قرن على أرض المغرب المعطاء.
إن معيشة المهجر ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي حالة استثنائية من العيش في مسافة برزخية؛ حيث يبني الإنسان بيتاً، وينسج شبكة من العلاقات الإنسانية الدافئة، ويبتكر وطناً بدائلاً يلملم شتاته. هذا ما فعله الأحمد في أرض المملكة المغربية التي احتضنت غربته بكرم ودفء، فصارت له سكنةً وسكناً، فيها أثمرت تجربته الإنسانية والأدبية، وعلى أرضها بنى أسرته وغرس جذور حياته الثانية. لكن المنفى الاختياري، رغم رفاهية الأمان وجمال الصداقات التي تتجاوز مفهوم الغربة، يظل يحمل بين طياته حزناً شفيفاً لا يزول؛ فهو عيشٌ معلق بين حاضر تُبنى تفاصيله في أرض المهاجر، وماضٍ يصرُّ على أن يظل حياً في الذاكرة. يتجلى الثمن الباهظ للغربة في تلك التفاصيل المؤلمة: أن تفرح للأحبّة من خلف الشاشات، وأن تعزي في رحيلهم بنبرة صوت متهدجة عبر أثير الاتصالات، وأن تشاهد قطار العمر يمرُّ في الوطن الأم وأنت تراقبه من نافذة النوى.
وبعدما طال الانتظار، جاءت لحظة العودة إلى سوريا، لا كمسافر يستكشف بلداً، بل كعاشق يحاول ترميم ما تبدّد من روحه. عاد الشاعر إلى الشام ليلتقي بالمدينة التي طالما رسمها في قصائده، ليجد وطناً غيّرت العقود بعض ملامحه، وأرضاً غاب عنها كثير من رفاق الشباب وأهل الدار دون أن تتاح له فرصة وداعهم الأخير.
لم تكن عودة الأحمد مجرد رحلة إيَّاب إلى الخارطة، بل كانت محاولة شجاعة لاستعادة جزءٍ أصيل من العمر ظلّ موقوفاً على أعتاب الشام طوال سنوات الغياب. لقد آبت الروح إلى منبعها الأول، حاملةً معها وفاءً عميقاً للمغرب الذي احتضن سنين الشتات، وشوقاً لا يرتوي لأرضٍ انتظرته طويلاً ليطأ ترابها من جديد.