العزوف عن التلقيح يعيد “الدفتيريا” إلى الواجهة: تسجيل وفيات وبؤرتين في سوس ماسة يضع السلامة الصحية أمام الامتحان
#المحور24
دقت السلطات الصحية في المغرب ناقوس الخطر عقب تسجيل بؤرتين عائليتين لمباشرة مرض “الخناق” (الدفتيريا) بجهة سوس ماسة، في تذكير قاطع بأن الأمراض المنسية قد تعود لتقض المضاجع فور حدوث أي ثغرة في منظومة التمنيع الجماعي.
وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، فقد رُصدت الحالات بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها. وفيما تأكدت حالة واحدة مخبرياً، تخضع ثماني حالات أخرى للتحقيق والتحليل الوبائي الدقيق، وسط حصيلة مؤلمة أودت بحياة طفلين حتى الآن.
الخيط الناظم والشديد الخطورة في هذه النازلة، وفق تأكيدات الوزارة، يتمثل في أن الأطفال المتأثرين بهذه البؤر إما لم يتلقوا التلقيح نهائياً ضد هذا الداء القاتل، أو لم يستكملوا الجرعات التعزيزية الموصى بها في الجدول الوطني للتلقيح.
وأمام هذا المعطى الوبائي، سارعت فرق الاستجابة السريعة التابعة للمجموعة الصحية الترابية لجهة سوس-ماسة إلى تفعيل بروتوكول التدخل الطارئ؛ حيث أُطلقت عمليات بحث نشط وحصر شامل للمخالطين، لتطويق الرقعة الجغرافية للمرض عبر تقديم العلاجات الوقائية بالمضادات الحيوية واستكمال التلقيحات للشرائح الهشة في محيط البؤرتين.
تأتي هذه النازلة لتطرح تساؤلات عميقة حول التحديات المنظوماتية والاجتماعية التي تواجه الصحة العامة، ويمكن تفكيك أبعادها في النقاط التالية:
خطر “التسرب التلقيحي” (Vaccine Drop-out): تشير الحادثة إلى أن الإشكالية لا تكمن فقط في رفض التلقيح الكلي، بل في التوقف عن استكمال الجرعات الموصى بها مع تقدم الطفل في السن. تكرار الجرعات ليس إجراءً شكلياً، بل هو الوسيلة الوحيدة لبناء ذاكرة مناعية قادرة على مواجهة بكتيريا الدفتيريا الشديدة الفتك.
التحدي الجغرافي والاجتماعي: تسجيل البؤرتين في مناطق يغلب عليها الطابع شبه القروي أو الجبلي (كبعض أجزاء إداوتنان واشتوكة) يسلط الضوء على الفجوة التوعوية واللوجستية؛ مما يستدعي تقوية الرصد الصحي المتنقل وتكثيف حملات التواصل المباشر لتجاوز عوائق الوصول والتلقيح.
اختبار لنجاعة المجموعات الصحية الترابية: يُعد سرعة تدخل الفرق الترابية في سوس ماسة محكاً حقيقياً لمدى جاهزية اللامركزية الصحية الحديثة في احتواء الأزمات الوبائية في مهدها، وحصار العدوى قبل امتدادها للوسط المدرسي أو التجمعات السكنية المجاورة.
إن إعادة ظهور داء الخناق—وهو المرض الذي نجحت المملكة في كبح جماحه لعقود عبر البرامج الوطنية للتمنيع—يعد جرس إنذار مجتمعي يؤكد أن حماية الأطفال لا تتطلب فقط توفر اللقاحات في المراكز الصحية، بل تقتضي الالتزام الأسري التام باستكمال جدول التطعيمات، كواجب أخلاقي وصحي يقف سداً منيعاً أمام عودة أوبئة الماضي.