الحكومة المقبلة أمام تحديات اقتصادية واجتماعية ثقيلة
#المحور24
تواجه الحكومة المغربية المقبلة مجموعة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، في مقدمتها التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، فضلا عن تقليص الفوارق المجالية وإصلاح أنظمة التقاعد، وهي أوراش ستفرض على الأغلبية الجديدة مواصلة الإصلاحات واتخاذ إجراءات عملية للاستجابة لانتظارات المواطنين.
وتأتي هذه التحديات في أعقاب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، والتي تصدر نتائجها حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 97 مقعدا، متبوعا بحزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. ويعيد هذا الترتيب الأحزاب الثلاثة نفسها إلى واجهة المشهد الحكومي، ما يفتح الباب أمام استمرار عدد من التوجهات والبرامج المعتمدة خلال الولاية السابقة، مع احتمال إدخال تعديلات على الأولويات وطرق التنفيذ وتوزيع الحقائب الوزارية.
– التشغيل
يُعد ملف التشغيل من أبرز التحديات التي تنتظر الحكومة الجديدة، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، رغم التحسن المسجل على المستوى الوطني. فقد تراجع معدل البطالة إلى 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بعدما بلغ 10,8 في المائة، غير أن الوضع يظل مقلقا بالنسبة إلى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، التي وصل معدل البطالة لديها إلى 37,2 في المائة، فيما اقترب من 48 في المائة بالوسط الحضري.
ولا تقل مشاركة النساء في سوق الشغل أهمية عن هذا التحدي، إذ لا تتجاوز نسبتهن 21,5 في المائة من مجموع القوى العاملة، وهو ما يعكس استمرار الصعوبات المرتبطة بإدماجهن اقتصاديا.
وفي هذا السياق، تتقاطع برامج الأحزاب الثلاثة حول ضرورة إحداث فرص شغل جديدة، وإن اختلفت الآليات المقترحة. فحزب التجمع الوطني للأحرار يطمح إلى خفض البطالة إلى 9 في المائة بحلول سنة 2030، مع التركيز على التكوين والمهن الرقمية، بينما يقترح حزب الأصالة والمعاصرة إحداث برنامج وطني مندمج للشباب خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، يعتمد على منصة للتسجيل والتشخيص الفردي والمواكبة.
من جهته، يراهن حزب الاستقلال على ضمان عدم بقاء أي شاب خارج منظومة التعليم أو التكوين أو سوق الشغل لأكثر من ستة أشهر، من خلال توفير فرص تتلاءم مع مؤهلات الشباب وأوضاعهم.
– التنمية الترابية ومواجهة الفوارق بين الجهات
إلى جانب التشغيل، سيكون تقليص الفوارق المجالية من الملفات الأساسية المطروحة أمام الحكومة المقبلة، خاصة مع انطلاق برامج التنمية الترابية المندمجة، التي جاءت عقب مشاورات محلية وإقليمية وجهوية واسعة.
وتستهدف هذه البرامج تحسين ظروف العيش بالمناطق القروية والهشة، من خلال تعزيز البنيات التحتية وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، فضلا عن خلق فرص جديدة للشغل لفائدة الشباب. وقد رُصد لها غلاف مالي أولي بقيمة 20 مليار درهم ضمن قانون المالية لسنة 2026، فيما يُرتقب أن تصل كلفتها الإجمالية إلى 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.
ويُنتظر أن يشكل تنزيل هذه المشاريع اختبارا مهما للحكومة المقبلة، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المطلوبة وأهمية ضمان توزيع عادل لثمار التنمية بين مختلف مناطق المملكة.
– الصحة والتعليم.. استكمال الإصلاحات المؤجلة
تجد الحكومة المقبلة نفسها أيضا أمام ضرورة تسريع إصلاح قطاعي الصحة والتعليم، اللذين تصدرا مطالب الاحتجاجات الشبابية خلال خريف سنة 2025، والتي دعت إلى تحسين جودة الخدمات العمومية وتوفير ظروف أفضل للاستفادة منها.
وفي مواجهة هذه المطالب، جرى رفع الميزانية المخصصة للقطاعين إلى 140 مليار درهم خلال سنة 2026، بزيادة بلغت 16 في المائة، من بينها 42,4 مليار درهم لقطاع الصحة، إلى جانب إحداث 8 آلاف منصب مالي جديد.
ورغم هذه الإجراءات، لا تزال عدة أوراش في حاجة إلى الاستكمال، خصوصا ما يتعلق بتعميم التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات الطبية، فضلا عن مواصلة إصلاح المنظومة التعليمية وتوسيع تجربة مدارس الريادة.
كما ينتظر الحكومة المقبلة ملف إصلاح أنظمة التقاعد، الذي ظل موضوع نقاش خلال الولاية السابقة دون التوصل إلى تسوية نهائية، ما يجعل استكمال أشغال اللجنة الوطنية المكلفة بهذا الورش من القضايا الاجتماعية المطروحة بإلحاح.
– القدرة الشرائية والسكن في مواجهة الغلاء
تشكل القدرة الشرائية للأسر أحد الملفات التي ستفرض نفسها على أجندة الحكومة المقبلة، في ظل الحاجة إلى تعزيز الدعم الاجتماعي وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وفي هذا الإطار، يقترح حزب الأصالة والمعاصرة تعبئة نحو 150 مليار درهم على مدى خمس سنوات، بهدف تحسين القدرة الشرائية من خلال التزامات محددة وقابلة للقياس. أما حزب الاستقلال، فيطرح تصورا يقوم على إبرام عقد اجتماعي للخروج من الفقر، عبر اعتماد بطاقة أسرية موحدة للدعم، مقابل التزام الأسر بضمان تمدرس أبنائها ومواصلة تكوينهم.
وعلى مستوى السكن، تتجه المقترحات الحزبية نحو توسيع الاستفادة من السكن الميسر ومحاربة المضاربة العقارية. ويقترح حزب الاستقلال إحداث آلية وطنية لتمويل السكن الأول، مع تعبئة العقار العمومي لإنتاج وحدات سكنية بأسعار مضبوطة، في حين يركز حزب الأصالة والمعاصرة على مواصلة دعم السكن وتوسيع نطاق المستفيدين، خصوصا في العالم القروي.
– مونديال 2030.. فرصة لخلق فرص الشغل
تراهن الأحزاب الثلاثة، بدرجات متفاوتة، على المشاريع الكبرى المرتبطة باستعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، باعتبارها رافعة محتملة للاستثمار وإحداث فرص العمل.
وتشمل هذه المشاريع تطوير البنيات التحتية وتوسيع شبكات النقل والربط السككي، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالتجهيزات الرياضية والخدمات. وتُقدّر التوقعات المرتبطة بهذه الدينامية إمكانية إحداث ما لا يقل عن 100 ألف منصب شغل سنويا، في ظل استثمارات ضخمة يُنتظر أن تواكب التحضيرات لهذا الحدث الرياضي العالمي.
وتضع هذه الأوراش الحكومة المقبلة أمام تحدي تحويل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال إلى فرص اقتصادية مستدامة، بما يضمن استفادة الشباب والمقاولات الوطنية من المشاريع المرتقبة.
*استمرارية حكومية واختبار جديد للالتزامات
مع تصدر الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية السابقة نتائج الانتخابات التشريعية، يُرتقب أن تحافظ الحكومة المقبلة على عدد من التوجهات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة خلال السنوات الماضية، غير أن حجم الملفات المطروحة سيجعل تنفيذ البرامج والوفاء بالالتزامات الانتخابية محط متابعة واسعة.
وبين ضرورة إنعاش سوق الشغل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وحماية القدرة الشرائية، وتسريع التنمية الترابية، سيكون الرهان الأساسي أمام الأغلبية الجديدة هو الانتقال من الوعود والبرامج إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.