انتخابات 2026 : سقوط “قلاع الأعيان” وصعود الشباب في اختبار النزاهة والوعي الشعبي
#المحور24
أعادت الاستحقاقات البرلمانية لعام 2026 رسم الخريطة السياسية الوطنية وفق موازين قوى جديدة، حاسمة بذلك مرحلة مفصلية عنوانها الأبرز: انتصار النزاهة والقطع مع النمطية التقليدية. لم تكن هذه الانتخابات مجرد استحقاق عددي لتبادل المقاعد، بل جاءت نتائجها محملة برسائل مدوية أثبتت أن صندوق الاقتراع بات يعكس وعياً جامعياً متزايداً، وقدرة على معاقبة الممارسات المستهلكة ومكافأة العمل الميداني الجاد.
شهدت هذه المحطة الانتخابية تهاوياً غير مسبوق لأسماء من “الأعيان” والوجوه النافذة التي اعتادت احتكار قبة البرلمان لدورات متتالية باعتبار المقعد حقاً مكتسباً. ولم يقتصر هذا السقوط على الرموز التقليدية فحسب، بل امتد ليعصف بفئة “المطبلين” وشعارات المحاباة الزائفة من قبيل “الشعب يحبك سيدي الرئيس”، وهي الأدوات التي أثبت الشارع عدم جدواها أمام غياب الإنجاز الملموس.
في المقابل، فتحت الشفافية الانتخابية الباب أمام صعود لافت وغير متوقع لشباب من بسطاء الشعب حصدوا أرقاماً مكتسحة؛ حيث تمكن ممثلون جدد من أداء اليمين تحت القبة البرلمانية دون أن يخطر ببالهم يوماً خوض هذا المعترك، فضلاً عن تحقيق الخصوم السياسيين لنتائج لافتة تعكس منافسة حقيقية وتعدداً يعزز خيار النزاهة الإرادية.
أسفرت صناديق الاقتراع عن إعادة ترتيب مواقع الكتل السياسية الرئيسية بصورة تعكس تحولاً بنيوياً في سلوك الناخب:
– الحزب الحاكم: تراجع إلى المركز الثالث (مؤقتا) في تصويت يعكس تراجع الرصيد الانتخابي وعدم رضا القواعد الشعبية عن حصيلة الأداء.
– حزب الأصالة والمعاصرة (البام): حقق صعوداً ملحوظاً، مدفوعاً باستقطاب شخصيات جديدة عرفت بالتفاني الميداني والسمعة المهنية الطيبة التي أكسبته ثقة إضافية لدى الناخبين.
– حزب الاستقلال: حافظ على موقعه المستقر داخل المعادلة البرلمانية، مع تسجيل صعود لافت لنجمه في عدة مناطق استراتيجية أعادت تثبيت جذوره التنظيمية.
على الرغم من هذه التحولات التي تعكس ديناميكية ديمقراطية صحية، برزت مجدداً ظاهرة الازدواجية والمراهقة السياسية لدى بعض القوى المتزمتة، سواء في أقصى اليسار الراديكالي أو اليمين المتزمت. تتبنى هذه التيارات عقيدة واحدة تقوم على التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية واتهام الدولة بالمحاباة بمجرد فشلها في تحقيق سقف توقعاتها أو تبوؤ المراكز التي ظنت أنها تحوزها حكراً.
تتجلى هذه المفارقة الهيكلية في سلوك تلك الأحزاب: حين تمنى بالهزيمة ترفع شعارات التزوير وغياب الشفافية، لكنها عندما تحقق فوزاً أو تظفر بمقاعد، تقيم الأفراح وتتغاضى تماماً عن أي حديث حول نزاهة المؤسسات أو حياد الدولة. إن هذا السلوك يكشف عن عجز هذه التيارات عن إجراء نقد ذاتي وفهم تحولات المجتمع، متمسكة بمنطق أيدولوجي متصلب يتغذى على المظلومية عند الفشل، ويصادر الشفافية لحسابه عند النجاح.
تؤكد نتائج انتخابات 2026 أن قواعد اللعبة الانتخابية قد تغيرت ؛ فالشارع لم يعد ينطلي عليه النفوذ المالي للأعيان ولا الشعارات العاطفية للمطبلين. إن صعود الشباب والمنافسين المستحقين هو الشهادة الأبرز على أن التكليف البرلماني أصبحت تجذبه الكفاءة والشرعية الشعبية المباشرة، مما يؤسس لمرحلة جديدة من العمل التشريعي القائم على المسؤولية والمحاسبة.